القاسم المشترك بينهم أنهم رأوا أطرافهم تتطاير مع الشظايا الشاردة في الهواء، وتتناثر كحبات رمل اشتدت به الريح في يوم عاصف. ففي فصيح القول يقال لمن أبطأ مشيه متنبها يقظا “كأنك تمشي في حقل ألغام”، لكن لا يخبُر معنى ذلك الوصف ولا يدرك كنهه إلا من وجد نفسه في عمق ذلك الحقل، وهو يتحسس أطرافه أمازالت من جسده أم استحالت هباء منثورا حمُوماً.
تلك من أنباء ضحايا الألغام؛ يقصها علينا أحياؤهم الذين ما كانوا يتوقعون هنيهة تناثر أطرافهم في السماء أنهم سيحكونها بتفاصيلها. ففي تلك اللحظات توقفت ساعتهم، وتسارع إشرافهم وتشوفهم نحو الآخرة. وفي تلك الأثناء حولهم اللغم المقيت المحشو في الأرض القاحلة كأنه مدفع هدير يقذف شراره، إلى جثة هامدة جامدة تساقطت أطرافها، كما تسّاقط أوراق الأشجار خلال اشتداد فصل الخريف.
في هذا الربورتاج،
نأخذكم إلى عوالم ذلك الحقل الملغوم، كي نوقفكم عند مأساة ومعاناة ضحايا الألغام
ومطالبهم في التعويض والعيش الكريم.
بداية قصصهم تنطلق من نقطة واحدة، دوسٌ على لغمٍ، أو نقرٌ على قذيفةٍ، أو ضربٌ على ذخيرة، فتنطلق شرارة اللغم المقيت محتوية الإنسان في أدخنة باردة ساخنة، هادئة ثائرة، ناعمة خشنة، جمعت كل ألوان التناقضات لسرعتها واستعجالها في حصد الأرواح، وبثر الأطراف، وسحق النواحي، فيسقط الإنسان صريعا أو جريحا مدرجا في دمائه.
ذلك اليوم يكون بمثابة
منعطف كبير في حياتهم، ففي تلك اللحظات نقص من جسمهم الشيء الكثير، وتغيرت نظرتهم
للحياة، وتحول الشعر المصفوف المرتب إلى أشعث أغبر بسبب نترات الغبار، وشحب الوجه
الوسيم الوضاء، واختلّ التوازن، وارتعش الجسد، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب
الحناجر.
قد لا يجول في خاطر أحد
اليوم أن يعيش مثل موقفهم وآلامهم، وقد يعتقد الإنسان أن الألغام ومخلفات الحروب
يحدها مكان أو يحتويها زمان، لكن اللغم اللعين المحشو في أرض خلاء لا يؤمن شره إذ
يمكن أن ينقله فيضان نهر من الأنهار إلى أمام منزل أحدهم أو إلى ناحية حقله خصوصا
إذا كان في منطقة قريبة من تلك التي بها زرعت مصائد الرجال في الحرب فيكون في
مرماه.
مأساة!
“لقد حدث كل شيء بسرعة
كبيرة، ولم أتبين حقيقة ما جرى إلا لما وصلت المستشفى مخضبا بدمائي، فعندما كنت
أسرح قطيعا من الغنم في يوم 28 يناير 2006 بواد “أم الكطا “على الحدود المغربية
الجزائرية، قذف بي لغم نحو السماء، وارتسم ليل بهيم أمام عيناي” يقول (م.م) ضحية
من ضحايا الألغام يقطن بالعيون، وهو يروي لـجريدة “التجديد” قصة يوم انعرج فيه
مسار حياته بشكل فجائي، لينتقل من شاب يافع يجري ويمرح في فيافي الصحراء الشاسعة
إلى مقعد مبتور الرجل على كرسي متحرك.
كادت عيناه أن تغرورق
بالدموع وهو يقول “حرمت البادية والصحراء من أن تطأهما قدماي بعد الحادث”، بعدها
التقط أنفاسه ودفن غضبه ودموعه في أعماق نفسه قائلا “أقلل الخروج مع الأصدقاء حتى
في المدينة لما يتراءى لي من ذلك الانفجار اللعين”، بعدها نظر (م.م) بعينين
تملأهما الحسرة والانفعال، فقال “أولئك الذين حشوا الأرض بتلك الألغام اللعينة
تسببوا لي في مأساة لا يعلمها إلا الله تعالى، وأنا اليوم أعيش عيشة من الضنك فوق
كرسي متحرك”، ويستدرك بلكنة صحراوية تمتح من العربية الفصيحة ومع ذلك”حمدين شكرين
مولانا”.
اللغم الجوال
تحرك الشاب (م.م) من
مكانه في اضطراب على كرسي متحرك تمرس في ترويضه بين يديه، وهو يبدو منزعجا من
انتشار الألغام، قائلا “مخطئ من يعتقد أن الألغام تنحصر في مناطق زرعها، لكن
الحقيقة أنها تنتقل بفعل الفيضانات والأمطار الرعدية من مكانها إلى مسافة تزيد عن
10 كلم كلغم جوال، فيجد الإنسان نفسه في مرماه”، استشاط (م.م) غضبا من فشل محاولات
الدولة في القضاء على المشكل فأنشأ يقول إن “محاولات الدولة لإزاحة الألغام في
طانطان وأسا والعيون والنواحي تنصب على إزالة الألغام الظاهرة أما العميقة في جوف
الأرض ففيها محاولات قليلة”.
انحنى (م.م) فوق كرسيه
المتحرك وهو يحاول كظم غيضه الشديد بسبب عدم تعويضه على ضرر لاحقه دون جريرة منه،
فانطلق يقول بشيء من الحدة “لم أتوصل بأي تعويض، وقد تقدمت مؤخرا بملف إلى جمعية
ضحايا الألغام بالعيون”، لكن دون جدوى، وبعد أن شبك بين يديه واصل الكلام “أعلم أن
مجموعة من ضحايا الألغام تم تعويضهم، لكن أولئك حصلوا على وثائق رجال الدرك الملكي
تفيد بتعرضهم لحادثة انفجار ألغام أما بالنسبة لحالتي فقد كانت مختلفة إذ نقلت إلى
المستشفى بشكل مستعجل دونما انتظار لوصول رجال الدرك قصد إنجاز محضر في الموضوع”.
نظر (م.م) بعينين
تملؤهما الحسرة والانفعال فقال “لما طالبنا رجال الدرك بإنجاز محضر بعدي حول
الحادث للإدلاء به مع وثائق طلب التعويض، واجهوني بقول أحد عناصرهم لما لم تبق في
مكانك إلى أن نعاين الحادثة وننجز لك محضرا في الموضوع، فهل يعقل أن أبقى في مكاني
إلى أن تخرج روحي من أجل ذلك المحضر؟ قالها (م.م) وعيناه الخاليتان تضيئان كجمرة
ملتهبة، ثم ختم القول “المستقبل أن ألعب كرة السلة وهي أملي ومستقبلي”.
لا خرائط
لما سُئل عبد اللطيف
لوديي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عن الألغام
مصائد الرجال والآليات، قال “بما أن هذه الألغام قد زرعت بطريقة عشوائية من طرف
أعداء الوحدة الترابية للمملكة، فإن القوات المسلحة الملكية لا تتوفر على خرائطها،
وأردف قائلا “إن الجهود التي بذلت عن طريق البعثة الأممية المرابطة بالمنطقة، من
أجل الحصول على هذه الخرائط لم تجد صدى من الطرف الآخر”.
وخلال إجابته عن سؤال
كتابي حول “عمليات نزع وحصر مناطق الألغام بالصحراء”، تتوفر جريدة “التجديد” على
نسخة منه، ميز لوديي بين نوعين من الألغام، فقال إن الألغام التي زرعتها القوات
المسلحة الملكية قصد تدعيم الخطوط الدفاعية المتوالية، والتي وضعت طبقا للمعايير
العسكرية المتعارف عليها دوليا، تتوفر القوات المسلحة الملكية على خرائط هذه
الحقول وهي مستعدة لإزالتها بمجرد التوصل إلى حل للنزاع المفتعل حول وحدتنا
الترابية.
أما الشطر الثاني من
الألغام التي تحصد الأرواح وتسبب المأساة ولا خرائط لها، فقال لوديي إن الألغام
التي زرعتها عصابات المرتزقة بطريقة عشوائية، وخاصة بقرب التجمعات السكنية ومناطق
الرعي ونقط المياه، بنية مبيتة لإلحاق الضرر بالأفراد وممتلكاتهم، مدنيين كانوا أو
عسكريين. فهذا النوع لا سبيل للإفلات منه إلا بالإجراءات التي وصفها في جوابه وهي
بالوقاية وبحملة تطهير الأراضي.
لم يفوت الرجل أن
يُذّكر بمجهودات المغرب للحد من انتشار الألغام، فقال إن “المصالح المختصة بالقوات
المسلحة قادت عملية واسعة النطاق منذ 15 يناير 2007، هدفها تطهير الأقاليم
الجنوبية من الألغام ومخلفات النزاعات، ولهذا الغرض، جندت ثلاثة وحدات للهندسة
العسكرية مدعمة بـ9000 جندي، لتطهير المساحات الشاسعة الملوثة، مع إعطاء الأولوية
للمناطق المأهولة ومناطق الرعي والآبار والمسالك الغير المعبدة الرابطة بين المدن
والقرى”.
تطهير الأرض
حملة القوات المسلحة
لتطهير الأرض شبرا شبرا استطاعت أن تلاحق الألغام، وبلغت المساحة المطهرة 3815 كلم
مربع، أي (أزيد من 3 ملايير متر مربع) تم خلالها إبطال 18 ألف و451 لغم، والتخلص
من 15 ألف و266 ذخيرة غير مفرقعة من مختلف العيارات. ليس من السهل القيام بكل تلك
الإجراءات، فحسب لوديي القوات المسلحة تقوم بتلك العمليات معتمدة على إمكانياتها
الذاتية وبدون أي تعاون من أي طرف كان.
وبما أن التوعية وتضافر
الجهود أساس تجاوز المخاطر، قال لوديي إن “السلطات المحلية انخرطت في توعية
المواطنين من أجل الابتعاد عن المناطق المشبوهة المشار إليها بعلامة “خطر
الألغام”، وإتباع المسالك المحددة وعدم الاقتراب أو التلاعب بأي جسم غريب وضرورة
إخبار السلطات العسكرية من أجل التأكد من خطورته والتخلص منه”.
وذكر لوديي جل الأشياء
عن القضية لكنه تحاشى ذكر عدد صرعى وضحايا الألغام وهو ما يعمل تقرير للمجلس
الوطني لحقوق الإنسان على رصده لتسليط مزيد من الضوء حول هذا المشكل الذي استعصى
عن الحل، فالإحصائيات الرسمية، تُفيد أن العدد الإجمالي لضحايا الألغام المسجلين
في المغرب منذ 1975 إلى سنة 2009، أي في 34 سنة بلغ أزيد من 2144 ضحية، توفي منهم
534. ويتوزع الضحايا على 1933 فردا ينتمون إلى صفوف الجنود، توفي منهم 494، و211
حالة في صفوف السكان المدنيين، توفي 56 منهم.
منظر “رهيب”
اطرق (إ.إ) ضحية من
ضحايا الألغام مفكرا مليا ثم رفع رأسه متحدثا بنبرة حادة حزينة “في التاسع من
شتنبر 1994 على بعد أيام قليلة من الدخول المدرسي كنت وأخي بواد الساقية على بعد
سبع كيلومترات شمال مدينة العيون نسرح قطيعا من الغنم، وجدنا لغما قيل إن نوعه
كرمازا يلقى بواسطة الطائرات فاعتقدناه بطارية مصباح يدوي فتناولناه ضربا ونقرا
بالحجر فوقع الانفجار”.
وأنشأ (إ.إ) يقول بنبرة
حزينة تزين صوته وحزن مرتسم على جبينه بعد أن استعصى أن يظهر في عينيه بعد أن
أطفأهما اللغم المقيت، “الضربة كانت قوية إلى درجة أنها أدخلتنا في غيبوبة ولم
أستفق إلا بالمستشفى، فأما أنا فقد انطفأ نور عيناي وبترت يداي وأنا أجهز على
اللغم بالحجر الصلد، وأما أخي الذي أتذكر أنه كان واقفا لحظة الانفجار فقد أخرجت
الشظايا أمعاء بطنه وخلطتها في دماء وطين لازب وذلك المنظر الرهيب آخر ما عقلت
وأبصرت قبل أن أغيب”.
شعور جديد
وبعبرات مندفعة متدفقة
قال (إ.إ) “كان أحد الأشخاص على مقربة منا وهو الذي عقد أمعاء أخي وأرجعها إلى
بطنه في إسعاف أولي كما قيل لنا، في ذلك الحال جاء عناصر الدرك الملكي فحرروا
محضرا للحادثة ونقلنا الإسعاف، بعدها أجريت لأخي عمليتين من أجل تنقية أمعائه”.
توقف (إ.إ) مليا ثم قال “حينها كان هناك شعور جديد وحالة جديدة فقد كنا مدرجين في
الدماء ووضعت كثرة الضمادات على أيدينا وعيوننا وأرجلنا وكل ناحية من جسدينا،
والحروق قد رسمت رقعا في جسمينا”.
“كانت ضربة اللغم قوية
لدرجة أن أدخنتها لوحدها كافية لإحراق جسمينا المبدعة من لحم ودم”. واستطرد (إ.إ)
في الحديث عن تداعيات الحادثة قائلا “حصلت على تعويض عبارة عن منحة شهرية لم تتضح
ماهيتها، ففي سنة 2000 لما قامت الإدارة بتسوية وضعيتنا أثار انتباهي أنها أدرجت
الحادثة في خانة حادث شغل والحقيقة أني كنت قاصرا أثناء وقوع الانفجار، وكنت
تلميذا بالمستوى الخامس ابتدائي.
الدولة مسؤولة
لما رأى وسيط المملكة
أفاعيل الألغام في البشر، ورأى الضيم الذي لحق الضحايا جراء عدم تعويضهم قال وهو
يدقق تظلم الضحية عبداتي الشيكر “إن وسيط المملكة يوصي بمعالجة ملف المعني بالأمر
من طرف لجنة فصل المنازعات لدى الوكالة القضائية للمملكة، وإفادة هذه المؤسسة بما
تم القيام به من طرف هذه اللجنة، داخل أجل ثلاثة أشهر، من تاريخ التوصل بهذه
التوصية”.
وكان عبداتي الشيكر
ضحية لحادث انفجار لغم بتاريخ 22/11/1985 نتج عنه بثر رجله وإصابته بجروح في مختلف
أنحاء جسمه، وقد استدل المعني بالأمر لإثبات ذلك بصور من شواهد طبية ومن المحضر
المنجز في الموضوع من طرف الضابطة القضائية بطانطان بتاريخ 22/3/1985، فقرر اللجوء
إلى وسيط المملكة، من أجل إيجاد حل خارج نطاق القضاء فاستصدر توصية تنص على تعويضه.
وعلل وسيط المملكة ذلك
بعلة من شأنها أن تكون مبدأ لتعويض كل ضحية، فقال “إن المتضرر من وضع أو حادث
تتحمل الدولة مسؤوليته، في نطاق الواجب الملقى على عاتقها بالحفاظ على أمن وسلامة
المقيمين فوق ترابها، محقٌ في الحصول على تعويض تفتح الدولة سبل الحصول عليه، إما
من خلال طرق المتضرر أبواب القضاء أو من خلال قبوله عرض الأمر على لجنة فصل
المنازعات لدى الوكالة القضائية للمملكة”.
لا تقادم
وأسقط وسيط المملكة
مسألة الدفع بالتقادم لمنع حق المتضررين من التعويض فقال: “يكون من اللائق توجيه
ملف الطالب إلى لجنة فصل المنازعات لدى الوكالة القضائية للمملكة والتي سبق لها أن
نظرت في مثل هذه النازلة بناء على المقاييس والمعايير التي كانت قد وضعتها، على أن
تتم معالجة الطلب بما يستدعيه التعامل مع القضية من عدل وإنصاف في نطاق المساواة،
مع اعتماد الحالات المماثلة ومن غير الأخذ بالاعتبار مسألة التقادم”.
ووجه الوسيط الوكالة
القضائية للمملكة إلى ضرورة اعتماد الحالات المماثلة التي عوضت من أجل تعويض
الضحية “عبداتي الشيكر” فقال “تبين لمؤسسة الوسيط من خلال ما قامت به من تحريات أن
لجنة فصل المنازعات المكلفة بإبداء الرأي في الطلبات التي تتحمل الدولة مسؤولية
التعويض عنها، قد وضعت يدها على طلبات مماثلة، ومنحت للمتضررين من انفجار الألغام
تعويضات عما لحقهم من أضرار”.
*الكاتب: عبد الله أموش
**نُشر في جريدة التجديد، ومواقع إلكترونية منها بوابة الصحراء المغربية، بعنوان "حقول الألغام بالجنوب المغربي.. حصاد في الأرواح وخرائط مفقودة"

العنوان معبر "اللغم الجوال"
ردحذفوالربورتاج استطاع أن يجيب كيف للغم أن يكون جوالا يتنقل من مكان لمكان.